الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
61
نفحات القرآن
كتاب الأعمال في اليمين أو في الشمال : تشير الآية الحادية عشرة إلى موضوع جديد وهو إتيان كتاب الأعمال ، فيؤتى الأشرار والأشقياء كتابهم بشمائلهم أمّا الصالحون والأخيار فيؤتون كتابهم بأيمانهم ، وهذه علامة فارقة لتمييز الأخيار من الفجار في محكمة العدل الإلهي : « فَأَمّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَه . . . » ، وعلى العكس : « وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيقُولُ يَالَيْتَنِى لَمْ أُوْتَ كِتابِيَه * وَلَم أَدْرِ مَا حِسَابِيَه * يالَيْتَها كَانَتِ الْقَاضِيَةَ » ، فهل أنّ اليد اليمنى واليسرى إشارة إلى هذا العضو الخاص من البدن أم هو كناية عن الخير والشر ، ولماذا اليد اليمنى كناية عن الخير ، واليسرى كناية عن الشر ؟ لقد ورد هذا المعنى ( كاحتمال ) في تفسير ( في ظلال القرآن ) ولكن نقول لا توجد ضرورة لهذا التأويل لأنّ إتيان كتاب أعمال الصالحين باليد اليمنى ، والأشرار باليد اليسرى وسيلة لتمييزهم والتعرف عليهم . أمّا كلمة ( هاؤم ) فهي على رأى الكثيرين من المفسرين وأرباب اللغة مركبة من ( هاء ) وهي اسم فعل ( أمر ) بمعنى خذ و ( ميم ) وهو ضمير جمع مذكر مخاطب ، وهذه الكلمة تعامل معاملة فعل الأمر فيقال ( هاءَ ، هاءِ ، هائماً ، هاؤُم ، هاتُن ( للمفرد ، المذكر والمفرد المؤنث والمثنى وجمع المذكر وجمع المؤنث ) وأحياناً تبدل الهمزة بالكاف فيقال : ( هاكَ ، هاكِ ، هاكما ، هاكن ) أمّا الهاء الواردة في آخر كلمتي ( كتابِيَهْ وحَسابِيهْ ) فيطلق عليها اصطلاحاً ب ( هاء السكون ) وهي ليست بضمير وإنّما هي للاستراحة في الكلام وليس لها مفهومٌ خاص والأصل : ( كتابيَ ) و ( حِسابيَ ) . ولقد ورد في حديث عن عبداللَّه بن حنظلة المعروف بغسيل الملائكة وهو من شهداء أُحد ، قال : إنّ اللَّه يوقف عبده يوم القيامة فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته فيقول له أنت عملت هذا ، فيقول نعم أي ربّ ، فيقول له : إنّي لم أفضحك به وإنّي قد غفرت لك ، فيقول عند ذلك هاؤم اقرؤا كتابيه إنّي ظننت أنّي ملاقٍ حسابيه ، حين نجا من فضيحته يوم القيامة « 1 » .
--> ( 1 ) . تفسير در المنثور ، ج 6 ، ص 261 ؛ تفسير في ظلال القرآن ، ج 8 ، ص 256 ولو أنّ هذا الحديث نقل عن عبداللَّه بن حنظلة ولكنه قد سمعه بالواسطة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله .